
في عالم اليوم سريع التطور، أصبحت التكنولوجيا والمعلومات أدوات قوية، ليس فقط للتنمية والاتصال ولكن أيضًا كوسيلة للسيطرة والتأثير والحرب. لقد جلب صعود العصر الرقمي تحديات جديدة، وخاصة في سياق الصراعات الجيوسياسية، حيث يتم استخدام التكنولوجيا والمعلومات دفاعيًا وهجوميًا لتحقيق أهداف استراتيجية. لعبت هذه الظاهرة، التي يشار إليها عادةً باسم حرب التكنولوجيا والتأثيرات في العالم العربي 2024 ، دورًا مهمًا في هذا السياق.
تعريف حرب التكنولوجيا والمعلومات
تشمل الحرب التكنولوجية والمعلوماتية مجموعة واسعة من الأنشطة التي تنطوي على استخدام المنصات الرقمية والأدوات الإلكترونية وقنوات الوسائط لتعطيل أو التلاعب أو كسب التأثير على الرأي العام من خلال وسائل التواصل الاجتماعي
القرصنة والهجمات الإلكترونية تهدف إلى تعطيل أنظمة بالغة الأهمية في حملات التضليل والمعلومات الخاطئة المصممة لإرباك السكان أو تقسيمهم أو تحريضهم.
المراقبة والتجسس باستخدام تقنيات متقدمة لجمع المعلومات إن هذه الأساليب خطيرة بشكل خاص لأنها يمكن أن يتم نشرها عن بعد، وبصورة مجهولة، وبتكلفة منخفضة نسبيا، مما يجعلها جذابة للجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية على حد سواء. ولم يكن العالم العربي بمنأى عن هذه التكنولوجيا.
دور التكنولوجيا في الصراعات في العالم
1. الربيع العربي (2010-2011): قوة وسائل التواصل الاجتماعي
لقد كان الربيع العربي بمثابة أول استخدام مهم لوسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات الرقمية كأداة للاحتجاج والمقاومة في المنطقة.

ولكن في حين لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في نجاح هذه الحركات، فإنها فتحت أيضاً الباب أمام حملات المعلومات المضادة. وسرعان ما أدركت الحكومات في المنطقة قوة هذه المنصات وبدأت في استخدامها لصالحها من خلال نشر معلومات مضللة أو حجب الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي خلال لحظات الاضطرابات الحرجة.
على سبيل المثال، في مصر ، أثناء ذروة الاحتجاجات ضد حسني مبارك في عام 2011، أوقفت الحكومة الإنترنت مؤقتًا، مما أدى فعليًا إلى إسكات ملايين الأشخاص والحد من قدرتهم على التنظيم. واستُخدِمَت تكتيكات مماثلة في ليبيا وسوريا ، حيث تم التحكم في الوصول إلى الإنترنت أو تقييده لقمع الانتفاضات.
2. الحرب السورية: ساحة معركة إلكترونية
إن الحرب السورية، التي بدأت في عام 2011، هي أحد أهم الأمثلة على الكيفية التي يمكن بها للتكنولوجيا وحرب المعلومات أن تشكل مسار الصراع. فقد استخدمت جهات فاعلة مختلفة، بما في ذلك الحكومة السورية، وقوات المعارضة، والقوى الدولية، تكتيكات إلكترونية وحرب معلومات للسيطرة على الروايات، وتجنيد المقاتلين، واستهداف الخصوم.
كان الجيش الإلكتروني السوري، وهو مجموعة قرصنة مؤيدة للأسد، نشطًا بشكل خاص في السنوات الأولى من الصراع. شن الجيش الإلكتروني السوري العديد من الهجمات الإلكترونية على منافذ إخبارية أجنبية ومواقع حكومية ومجموعات معارضة لنشر الدعاية المؤيدة للحكومة وتعطيل جهود الاتصال لقوات المعارضة. في عام 2013، اخترق الجيش الإلكتروني السوري حساب تويتر الخاص بوكالة أسوشيتد برس ، ونشر تغريدة كاذبة زعمت أن قنبلة انفجرت في البيت الأبيض، مما تسبب في حالة من الذعر في الأسواق المالية العالمية.
وعلى الجانب الآخر، اعتمدت جماعات المعارضة والمنظمات المتطرفة مثل داعش بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي لتجنيد المقاتلين ونشر أيديولوجيتها، بل وحتى بث أعمال العنف مباشرة إلى جمهور عالمي. وأصبحت منصات مثل تويتر وتليجرام ويوتيوب ساحات معارك افتراضية، حيث يحاول كل جانب السيطرة على السرد وكسب القلوب والعقول.
3. حرب المعلومات الخليجية: أزمة قطر (2017)
في عام 2017، اهتز مجلس التعاون الخليجي بسبب خلاف دبلوماسي عندما قطعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر العلاقات مع قطر ، متهمة إياها بدعم الإرهاب والحفاظ على علاقات وثيقة مع إيران. وتصاعدت الأزمة الدبلوماسية التي تلت ذلك بسرعة إلى حرب معلوماتية، حيث استخدم كلا الجانبين القنوات الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي والأدوات الإلكترونية للتأثير على الرأي العام وكسب الدعم الدولي.
كان أحد أبرز الحوادث في هذا الصراع هو اختراق وكالة الأنباء القطرية (قنا) في مايو 2017. حيث زرع المتسللون قصة إخبارية كاذبة نسبت تصريحات مؤيدة لإيران وإسرائيل إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وقد تم نشر هذه القصة الملفقة على نطاق واسع في وسائل الإعلام الخليجية، مما أدى إلى انهيار دبلوماسي. وكشفت التحقيقات لاحقًا أن هذا الاختراق كان جزءًا من حملة إلكترونية أوسع نطاقًا ضد قطر، دبرتها جهات داخل الإمارات العربية المتحدة.
طوال الأزمة، انخرط الجانبان في حملات تضليل واسعة النطاق، مع تداول قصص إخبارية كاذبة ومحتوى مُتلاعب به للتأثير على الجماهير المحلية والدولية. أصبحت منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة تويتر، ساحة معركة رئيسية حيث تنشر الحسابات التي ترعاها الدولة والروبوتات والمتصيدين رسائل مثيرة للانقسام.

4. اليمن: التكتيكات السيبرانية والمعلوماتية في الحرب بالوكالة
وُصِف الصراع في اليمن إلى حد كبير بأنه حرب بالوكالة بين المملكة العربية السعودية وإيران، لكنه شهد أيضًا استخدامًا للتكنولوجيا وحرب المعلومات. فقد استخدم كل من المتمردين الحوثيين والتحالف الذي تقوده السعودية المنصات الرقمية لكسب الدعم ونزع الشرعية عن خصومهم.
في عام 2019، اتهمت المملكة العربية السعودية الحوثيين بشن هجوم إلكتروني على شركة أرامكو السعودية ، أكبر شركة نفط في العالم. وبحسب ما ورد، استهدف الهجوم أنظمة الشركة وهدد إمدادات الطاقة العالمية. وفي الوقت نفسه، استخدم الحوثيون الوسائط الرقمية لعرض هجماتهم الصاروخية والطائرات بدون طيار على أهداف سعودية، وغالبًا ما بالغوا في نجاحاتهم لتقويض معنويات التحالف.
الدور المتزايد للأمن السيبراني والتنظيم في العالم العربي
مع انتشار التكنولوجيا وحرب المعلومات على نحو متزايد، بدأت الحكومات في العالم العربي في إعطاء الأولوية للأمن السيبراني وتنظيم المنصات الرقمية. وقد سنت العديد من البلدان في المنطقة قوانين جديدة للجرائم الإلكترونية تهدف إلى الحد من القرصنة والتجسس الإلكتروني وانتشار المعلومات المضللة. على سبيل المثال:
وقد أقرت المملكة العربية السعودية قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية في عام 2007، وقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة قانون الجرائم الإلكترونية في عام 2012، والذي يجرم نشر المعلومات الكاذبة عبر الإنترنت
وفي الوقت نفسه، استخدمت الأنظمة الاستبدادية هذه القوانين لإسكات المعارضة والسيطرة على تدفق المعلومات. وقد انتقدت جماعات حقوق الإنسان هذه القوانين.
إن تزايد الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل واستخدام التكنولوجيا للتأثير على الرأي العام يعني أن الصراعات المستقبلية من المرجح أن تُخاض ليس فقط على الأرض ولكن في المجال الرقمي أيضًا. يجب على العالم العربي أن يتنقل بين التحديات المزدوجة المتمثلة في تعزيز التقدم التكنولوجي مع الحماية من إساءة استخدام هذه الأدوات القوية.



