
سباق الشرائح الدماغية في عام 2024 , كانت واجهات الدماغ والحاسوب التي يرمز لها اختصارا بـ”بي سي آي” -وهي الأجهزة التي تربط الدماغ بجهاز حاسوب للسماح للمستخدم بإكمال نوع من الإجراءات باستخدام إشارات الدماغ- موجودة منذ فترة أطول مما تتوقع، وبحث العلماء على مدى العقود الماضية في استخدام واجهات التواصل الدماغي لاستعادة الحواس المفقودة والتحكم في الأطراف الصناعية، من بين تطبيقات أخرى.
وحدث أول عرض توضيحي لواجهة الدماغ والحاسوب في عام 1963، فخلال محاضرة ألقاها في جامعة أكسفورد، أذهل عالم الأعصاب ويليام جراي والتر جمهوره بعد ربط أحد أدمغة مرضاه بجهاز العرض، حيث قاموا بتطوير شرائح العرض التقديمي باستخدام أفكارهم فقط.
وبدأت أجهزة واجهات التواصل بين الدماغ الأقدم في التطور منذ ذلك الحين، وكانت أولى مؤشرات التواصل المستمر بسيطة نسبيا، واستُخدمت على القطط والحيوانات الأخرى لتطوير مسارات التواصل. وطوّر جوناثان وولباو أول جهاز مزروع في الإنسان في عام 1991، وسمح لمستخدمه بالتحكم في المؤشر بإشارات دماغه.
ومهدت التطورات في التعلم الآلي على مر السنين الطريق أمام المزيد من مؤشرات التواصل القابلة للزرع الأكثر تطورا، والتي يمكنها التحكم في الأجهزة المعقدة، بما في ذلك الأطراف الآلية والكراسي المتحركة والهياكل الخارجية، وأصبحت الأجهزة أصغر حجما بشكل تدريجي وأسهل في الاستخدام بفضل الاتصال اللاسلكي.

من أقدم أنظمة زرع أجهزة الذكاء الاصطناعي المتقدمة في الدماغ كان نظام برين غيت الذي تأسس في عام 1998 بولاية ماساتشوستس، وهو موجود منذ أواخر التسعينيات، ويعتمد على وضع الجهاز في الدماغ باستخدام الإبر الدقيقة على غرار التقنية التي تستخدمها “نيورالينك“.
ربما تكون أجهزة “برين غيت” هي الأكثر تقدما عندما يتعلق الأمر بوظائف واجهات التواصل الدماغي، ويوفر أحد أجهزتها السلكية سرعة كتابة تصل إلى 90 حرفاً في الدقيقة، أو 1.5 حرف في الثانية.
ونشرت دراسة في يناير/كانون الثاني 2023 نتائج بيانات جُمعت على مدار 17 عاما من 14 شخصا بالغا تلقوا عملية جراحية في الدماغ تعود إلى عام 2004، وخلال هذا الوقت لم تتضمن النتائج أي وفيات، وكان هناك عدد قليل من “الأحداث السلبية”، بما في ذلك العدوى والنوبات والمضاعفات الجراحية والتهيج حول الغرسة (الشريحة) وتلف الدماغ، واعتبرت 6 حالات فقط من أصل 68 حادثة “خطيرة”.
ومع ذلك، فإن الموجة الحالية من الاستكشاف في استخدام تقنيات تسجيل الدماغ لاستعادة الحركة والتواصل للمرضى المصابين بالشلل الشديد، بدأت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهي تعتمد على دراسات أجريت في الأربعينيات لقياس نشاط الخلايا العصبية المفردة، وتجارب أكثر تعقيدا على الجرذان والقردة في التسعينيات.
وفي هذا العقد، دخلت العديد من الشركات البارزة مجال واجهة الدماغ والحاسوب مدعومة باستثمارات بملايين الدولارات، ولم تكن شركة ماسك سوى واحدة من قائمة متزايدة من الشركات المكرسة لتطوير تكنولوجيا واجهات الحاسوب الدماغية أو أنظمة لتسهيل الاتصال المباشر بين العقول البشرية وأجهزة الحاسوب الخارجية.
وتواجه شركة ماسك منافسة في هذا المجال، خاصة من شركات لديها سجل حافل يعود إلى عقدين من الزمن، حيث قامت شركة “بلاك روك” ومقرها يوتا، بزرع أول آلية للتواصل بين الدماغ والحاسوب في عام 2004.
وصُممت هذه الآلية اعتمادا على أحد الأجهزة المبكرة المعروفة باسم “مصفوفة يوتا” المستخدم على نطاق واسع في واجهات الدماغ والحاسوب الحالية، والذي أصبح متاحا منذ عام 2005. وتشبه المصفوفة -كما هو معروف- فرشاة شعر صغيرة تحتوي على نحو 100 قطب كهربائي شبيه بالشوكة، وهي جزء من نظام تأمل شركة “بلاك روك” في طرحه في الأسواق هذا العام، كما تبين أن الجهاز يسبب التهابا وندوبا في أنسجة المخ، مما قد يؤدي إلى فقدان جودة الإشارة بمرور الوقت.
وقد بدأت شركة كيرنل الأميركية في عام 2016 -وهي شركة متخصصة في الطب العصبي تعمل على تغيير الطريقة التي يُقاس بها الدماغ ومعالجته- بالبحث في الأجهزة القابلة للزرع، قبل أن تتحول إلى التركيز على التقنيات التي لا تتطلب جراحة.
وحتى شركة “فيسبوك” خاضت تجربة واجهات الدماغ والحاسوب، مع خطة طموحة لإنشاء سماعة رأس تتيح للمستخدمين كتابة 100 كلمة في الدقيقة، لكنها أوقفت هذا البحث في عام 2021 للتركيز على أنواع أخرى من الواجهات بين الإنسان والحاسوب.
وفي أبريل/ نيسان 2021، غادر المؤسس المشارك والرئيس لشركة نيورالينك منذ عام 2017 ماكس هوداك الشركة لأسباب غير معروفة. وفي فبراير/شباط 2022، كشف أنه استثمر ودعم شركة تكنولوجيا حيوية منافسة تفوقت على “نيورالينك” في التجارب البشرية باستخدام تقنية الواجهة العصبية الخاصة بها.
كانت هذه الشركة تدعى “سينكرون“، وهي شركة أسترالية تأسست في عام 2016 في ملبورن، وتعد من أكبر المنافسين أيضا لـ”نيورالينك“، وأصبحت في عام 2019 أول شركة تحصل على الموافقة لإجراء التجارب السريرية في أستراليا، وحصلت في عام 2021 على موافقة لبدء تجاربها لتطوير شريحة تسمح للأشخاص المشلولين بالكتابة عن طريق التفكير.
وأجرت الشركة تجارب على الحيوانات وتعرضت لانتقادات بسبب نفوق عشرات الأغنام التي خضعت للتجارب الأولى، لكنها في النهاية سبقت شركة ماسك بعد أن نجحت في صيف 2022 في زرع شريحة في دماغ مريض أميركي لأول مرة بعد أن حصلت على موافقة لإجراء تجارب سريرية في عام 2020.
وعلى عكس نيورالينك التي تزرع أجهزتها عن طريق حفر ثقب في الجمجمة، يتمثل نهج “سينكرون” في تجنب إجراء عملية جراحية كاملة باستخدام الأوعية الدموية لزرع أقطاب كهربائية في الدماغ، ويشبه هذا النهج القليل التدخل عمليات الدعامات الأخرى التي تُجرى بشكل روتيني في العيادات، وبالتالي قد تساعد دعامة “سينسرون” الصغيرة جدا على تقريب عمليات واجهة التواصل الدماغي لتصبح إجراءً يوميا.
هناك أيضا شركة “بريسيجن” التي أنشأها أحد مؤسسي “نيورالينك“، والتي تهدف إلى مساعدة الأشخاص المصابين بالشلل، وفي آليتها تُجرى زراعة شريط رقيق جدا فوق سطح الدماغ عبر شق صغير في الجمجمة، وهو إجراء أبسط بكثير.
وكان المركز الطبي الجامعي في أوتريخت بهولندا، أول من ينجز تقنية واجهة التواصل الدماغي المزروعة لاسلكيا بالكامل والتي يمكن للمرضى أخذها إلى المنزل.
ويستخدم جهاز المركز الطبي مخطط كهربية قشرة الدماغ المعروف اختصارا بـ”إي كوج“، حيث توضع أقطاب كهربائية على شكل أقراص معدنية مباشرة على سطح الدماغ لاستقبال الإشارات، وتتصل لاسلكيا بجهاز استقبال، والذي بدوره يتصل بجهاز حاسوب.
وتمكن المشاركون في تجربة سريرية استمرت من عام 2020 إلى عام 2022؛ من أخذ الجهاز إلى المنزل واستخدامه يوميا لمدة عام تقريبا، وسمح لهم الجهاز بالتحكم في شاشة الحاسوب والكتابة بسرعة حرفين في الدقيقة، وعلى الرغم من أن سرعة الكتابة هذه بطيئة فإنه من المتوقع أن يكون أداء الإصدارات المستقبلية التي تحتوي على المزيد من الأقطاب الكهربائية أفضل.
وفي هولندا أيضا، هناك شركة تدعى “أونورد” طورت شريحة إلكترونية تعمل على تحفيز الحبل الشوكي والسماح للمصابين بالشلل الرباعي باستعادة القدرة على الحركة، وهو تقريبا الإنجاز الذي توصل إليه باحثون في فرنسا من معهد “كلينتك” بمدينة غرينوبل، طوروا شريحة تدعى “ويماجن“، وهذه الشريحة سمحت من خلال الاستعانة بهيكل خارجي لمصابين بالشلل الرباعي أيضا بالحركة من جديد.
وفي السياق نفسه، طور فريق سويسري خوارزمية على البشر تعتمد على وصل الدماغ بالأعصاب في الطرف الذي لا يعمل، وذلك بإدخال غرسين (شريحتين) في الجمجمة على شكل أقراص ينقلان لاسلكيا إشارات الدماغ.
وتُعد هذه الشركات مجرد عدد قليل من الشركات المنافسة المدعومة بالمشاريع، والتي تعمل على أجهزة للأشخاص المصابين بالشلل. ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كشفت شركة ناشئة تدعى ساينس عن مفهوم واجهة كهربائية حيوية للمساعدة في علاج فقدان البصر. وفي سبتمبر/أيلول الماضي، حصلت شركة ماغنوس ميديكال على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية على علاج مستهدف لتحفيز الدماغ لعلاج اضطراب الاكتئاب الشديد.
وقدرت شركة استخبارات السوق غراند فيو ريسيرش سوق زرع الدماغ العالمي بنحو 4.9 مليارات دولار في عام 2021، وتوقعت شركات أخرى أن يتضاعف هذا الرقم ليصل إلى 9.5 مليارات دولار بحلول عام 2030.



